عبد القادر الجيلاني
133
فتوح الغيب
--> الطاعة ، فأخطأ فعل المأمور به إلى ما اعتقده مأمورا به ، أو تعارضت عنده الأدلة فتوقّف عمّا هو طاعة في نفس الأمر ، فهؤلاء مطيعون للّه مثابون على ما أحسنوه من القصد للّه ، واستفرغوه من وسعهم في طاعة اللّه ، وما عجزوا عن [ في نسخة : من ] علمه فأخطؤوه إلى غيره فمغفور لهم . وهذا من أسباب فتن تقع بين الأمة ، فإن أقواما يقولون ويفعلون أمورا هم مجتهدون فيها ، وقد أخطؤوا ، فتبلغ أقواما يظنون أنهم تعمدوا فيها الذنب ، أو يظنون أنهم لا يعذرون بالخطأ ، وهم أيضا مجتهدون مخطئون . فيكون هذا مجتهدا مخطئا في فعله ، وهذا مجتهدا مخطئا في إنكاره ، والكلّ مغفور لهم . وقد يكون أحدهما مذنبا ، كما قد يكونان جميعا مذنبين . وخير الكلام كلام اللّه ، وخير الهدي هدي محمّد صلّى اللّه عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل بدعة ضلالة . والواحد من هؤلاء قد يعطى طرفا [ في نسخة : تصرفا ] بالأمر والنهي ، فيولي ويعزل ، ويعطي ويمنع ، فيظن الظّانّ أن هذا كمال ، وإنما يكون كمالا إذا كان موافقا للأمر ، فيكون طاعة للّه ، وإلا فهو من جنس الملك ، وأفعال الملك : إمّا ذنب ، وإمّا عفو ، وإما طاعة . فالخلفاء الراشدون أفعالهم طاعة وعبادة ، وهم أتباع العبد الرسول ( صلّى اللّه عليه وسلم ) ، وهي طريقة [ في نسخة : طريق ] السابقين المقربين . وأما طريقة [ في نسخة : طريق ] الملوك العادلين : فإما طاعة ، وإما عفو ، وهي طريقة الأنبياء الملوك ، وطريقة الأبرار أصحاب اليمين . وأما طريقة الملوك الظالمين : فتتضمن المعاصي ، وهي طريقة الظالمين لأنفسهم . قال تعالى : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ [ فاطر : 32 ] . فلا يخرج الواحد من المؤمنين عن أن يكون من أحد هذه الأصناف : إما ظالم لنفسه ، وإما مقتصد ، وإما سابق بالخيرات . وخوارق العادات : إما مكاشفة ، وهي من جنس العلم الخارق . وإما تصرّف ، وهي من جنس القدرة الخارقة ، وأصحابها لا يخرجون عن الأقسام الثلاثة . فصل : وقد تفرّق الناس في هذا المقام الذي هو غاية مطالب العباد ، فطائفة من الفلاسفة ونحوهم يظنّون أنّ كمال النفس في مجرّد العلم ويجعلون العلم الذي به يكمل ما يعرفونه هم من علم ما بعد الطبيعة ، ويجعلون العبادات رياضة لأخلاق النفس حتّى تستعدّ للعلم فتصير النفس عالما معقولا موازيا للعالم الموجود ، وهؤلاء ضالّون بل كافرون من وجوه : منها : أنهم اعتقدوا الكمال في مجرد العلم ، كما اعتقد جهم ، والصالحي ، والأشعري في المشهور من قوله ، وأكثر أتباعه : أن الإيمان مجرد العلم . لكن المتفلسفة أسوأ حالا من الجهمية ، فإن الجهمية يجعلون الإيمان هو العلم باللّه وأولئك يجعلون كمال النفس أن تعلم الوجود المطلق من حيث هو وجود ، والمطلق بشرط الإطلاق إنما يكون في الأذهان لا في الأعيان ، والمطلق لا بشرط لا يوجد أيضا في الخارج إلا معينا ، وإن علموا الوجود